العيني

110

عمدة القاري

حتى للغاية . قوله : ( فضالة الغنم ) كلام إضافي مبتدأ خبره : أي : ما حكمها ؟ أهي مثل ضالة الإبل أم لا ؟ قوله : ( لك أو لأخيك أو للذئب ) ، فيه حذف تقديره : ليست ضالة الغنم مثل ضالة الإبل هي لك إن أخذتها ، أو هي لأخيك إن لم تأخذها ، يعني يأخذها غيرك من اللاقطين ، أو يكون المار من الأخ صاحبها . والمعنى : أو هي لأخيك الذي هو صاحبها إن ظهر ؟ أو هي للذئب إن لم تأخذها ولم يتفق أن يأخذها غيرك أيضاً ؟ لأنه يخاف عليها من الذئب ونحوه فيأكلها غالباً ، فإذا كان المعنى على هذا يكون محل : لك ، من الإعراب الرفع لأنه : خبر مبتدأ ، وكذلك : لأخيك وللذئب . بيان المعاني : قوله : ( سأله رجل ) هو عمير والد مالك . قوله : ( أو قال ) شك من الراوي . قال الكرماني : هو زيد بن خالد . قلت : ويجوز أن يكون ممن دونه من الرواة ، وفي بعض طرقه عند البخاري : ( أعرف عفاصها ووكائها ) ، من غير شك . ( ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلاَّ فشأنك بها ) إنما أمر بمعرفة العفاص والوكاء ليعرف صدق واصفها من كذبه ، ولئلا يختلط بماله ، ويستحب التقييد بالكتابة خوف النسيان . وعن ابن داود ، من الشافعية ، أن معرفتها قبل حضور المالك مستحب . وقال المتولي : يجب معرفتها عند الالتقاط ، ويعرف أيضاً الجنس والقدر وطول الثوب وغير ذلك ودقته وصفاقته . قوله : ( ثم عرفها ) أي للناس ، بذكر بعض صفاتها في المحافل : ( سنة ) ، أي : متصلة ، كل يوم مرتين ثم مرة ثم في كل أسبوع ثم في كل شهر في بلد اللقط . فإن قلت : جاء في حديث أبي : ثلاث سنين ، وفي بعض طرقه الشك في سنة أو ثلاث ؟ قلت : جمع بينها بطرح الشك والزيادة ، وترد الزيادة لمخالفتها باقي الأحاديث . وقيل : هي قصتان : الأولى للأعرابي ، والثانية لأبي ، أفتاه بالورع بالتربص ثلاثة أعوام إذ هو من فضلاء الصحابة . قوله : ( ثم استمتع بها ) قالوا : الإتيان هنا : بثم ، دال على المبالغة في التثبت على العفاص والوكاء . إذ كان وضعها للتراخي والمهلة ، فكأنه عبارة عن قوله : لا تعجل وتثبت في عرفان ذلك . قوله : ( فغضب ) أي : رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، قال الخطابي : إنما كان غضبه استقصاراً لعلم السائل وسوء فهمه ، إذ لم يراع المعنى المشار إليه ولم يتنبه له ، فقاس الشيء على غير نظيره ، فإن اللقطة إنما هي اسم للشيء الذي يسقط من صاحبه ولا يدري أين موضعه ، وليس كذلك الإبل ، فإنها مخالفة للقطة اسما وصفة ، فإنها غير عادمة أسباب القدرة على العود إلى ربها لقوة سيرها ، وكون الحذاء والسقاء معها ، لأنها ترد الماء ربعاً وخمساً ، وتمتنع من الذئاب وغيرها من صغار السباع ، ومن التردي وغير ذلك ، بخلاف الغنم فإنها بالعكس ، فجعل سبيل الغنم سبيل اللقطة . قلت : في بعض من ذكره نظر ، وهو قوله : اللقطة اسم للشيء الذي يسقط من صاحبه إلى قوله : وصفة . فإن الغنم أيضاً ليس كذلك ، فينبغي أن يكون مثل الإبل على هذا الكلام ، مع أنه ليس مثل الإبل . وقوله أيضاً : وتمتنع من الذئاب ، فإن الجواميس تمتنع من كبار السباع فضلاً عن صغارها ، وتغيب عن صاحبها أياماً عديدة ترعى وتشرب ثم تعود ، فينبغي أن تكون مثل الإبل مع أنه ليس كذلك . قوله : ( ما لك ولها ) فيه نهي عن أخذها . وقوله : ( لك أو لأخيك ) فيه إذن لأخذها . ومن البيان فيه : التشبيه ، وهو في قوله : ( معها سقاؤها وحذاؤها ) ، فإنه شبه الإبل بمن كان معه حذاء وسقاء في السفر . ومن البديع : فيه الجناس الناقص : وهو في قوله : اعرف وعرف ، والحرف المشدد في حكم المخفف في هذا الباب . فافهم . بيان استنباط الأحكام : وهو على وجوه : الأول : حكى القاضي عن بعضهم الإجماع على أن معرفة العفاص والوكاء من إحدى علامات اللقطة . قلت : فإن وصفها وبيّنها ، قال أصحابنا الحنفية : حل للملتقط أن يدفعها إليه من غير أن يجبر عليه في القضاء . وقال الشافعي ومالك : يجبر على دفعها لما جاء في رواية مسلم : ( فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه ، وإلاَّ فهي لك ) . وهذا أمر ، وهو للوجوب . قالت الحنفية : هذا مدع وعليه البينة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : ( البينة على من ادعى ) . والعلامة لا تدل على الملك ولا على اليد ، لأن الإنسان قد يقف على مال غيره ويخفى عليه مال نفسه ، فلا عبرة بها . والحديث محمول على الجواز توفيقاً بين الأخبار ، لأن الأمر قد يراد به الإباحة ، وبه نقول ، وقال الشيخ قطب الدين : إذا وصفها ، فهل يجب إعطاؤها بالوصف أم لا ؟ ذهب مالك إلى وجوبه ، واختلف أصحابه : هل يحلف ؟ قال ابن القاسم : لا يحلف . وقال أشهب وسحنون : يحلف ، وألحقوا به السارق إذا سرق مالاً ونسي المسروق منه ، ثم أتى من وصفه فإنه يعطى . وأما الوديعة إذا نسي من أودعها إياه فمن أصحابه من أجراها مجرى اللقطة والسرقة ، ومنهم من فرق بينهما ، بأن كل موضع يتعذر فيه على المالك إقامة البينة اكتفى فيه بالصفة . وفي